أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

426

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

قوله تعالى : مَنْ يَتَّخِذُ : « من » في محل رفع بالابتداء ، وخبره الجار قبله ، ويجوز فيه وجهان : أحدهما : أن تكون موصولة . والثاني : أن تكون موصوفة فعلى الأول لا محل للجملة بعدها ، وعلى الثاني محلها الرفع أي : فريق أو شخص متخذ ، وأفرد الضمير في « يتخذ » حملا على لفظ « من » . قوله : مِنْ دُونِ اللَّهِ متعلق بيتخذ ، والمراد بدون هنا : غير وأصلها أن تكون ظرف مكان نادرة التصرف ، وإنما أفهمت معنى « غير » مجازا ، وذلك أنك إذا قلت : « اتخذت من دونك صديقا » أصله : اتخذت من جهة ومكان دون جهتك ومكانك صديقا ، فهو ظرف مجازي ، وإذا كان المكان المتخذ منه الصديق مكانك وجهتك منحطة عنه ودونه ، لزم أن يكون غيرا لأنه ليس إياه ، ثم حذف المضاف ، وأقيم المضاف إليه مقامه ، مع كونه غيرا فصارت دلالته على الغيرية بهذا الطريق ، لا بطريق الوضع لغة ، وقد تقدم تقرير شيء من هذا أول السورة ، و « يتخذ » يفتعل من الأخذ وهي متعدية إلى واحد ، وهو : « أندادا » وقد تقدم الكلام على « أندادا » أيضا واشتقاقه « 1 » . قوله : « يحبونهم » في هذه الجملة ثلاثة أوجه : أحدها : أن تكون في محل رفع صفة ل « من » في أحد وجهيها ، والضمير المرفوع يعود عليها باعتبار المعنى بعد اعتبار اللفظ في « يتخذ » . والثاني : أن تكون في محل نصب صفة لأنداد ، والضمير المنصوب بيعود عليهم ، والمراد بهم الأصنام ، وإنما جمعوا جمع العقلاء لمعاملتهم لهم معاملة العقلاء ، أو يكون المراد بهم من عبد من دون اللّه عقلاء وغيرهم ثم غلب العقلاء على غيرهم . والثالث : أن تكون في محل نصب على الحال من الضمير في يتخذ ، والضمير المرفوع عائدا على ما عاد عليه الضمير في « يتخذ » وجمع حملا على المعنى كما تقدم . قوله : كَحُبِّ اللَّهِ : الكاف في محل نصب : إما نعتا لمصدر محذوف أي : يحبونهم حبا كحب اللّه ، وإما على الحال من المصدر المعرّف كما تقدم تقريره غير مرة ، والحب إرادة ما تراه وتظنه خيرا ، وأصله من حببت فلانا : أصبت حبة قلبه نحو : كبدته وأحببته : جعلت قلبي معرضا بأن يحبه ، لكن أكثر الاستعمال أن يقال : أحببته فهو محبوب ومحب قليل كقوله : 803 - ولقد نزلت فلا تظنّي غيره * منّي بمنزلة المحبّ المكرم « 2 » والحبّ في الأصل مصدر حبّه ، وكان قياسه فتح الحاء ، ومضارعه يحبّ بالضم ، وهو قياس فعل المضعف ،

--> ( 1 ) انظر الآية رقم ( 22 ) . ( 2 ) البيت لعنترة انظر ديوانه ( 187 ) ، شرح المعلقات للتبريزي ( 215 ) ، المحتسب ( 1 / 78 ) ، الخصائص ( 2 / 216 ) ، الهمع ( 1 / 252 ) ، أوضح المسالك ( 1 / 224 ) ، الدرر ( 1 / 134 ) .